ابن أبي الحديد

82

شرح نهج البلاغة

فأما القطب الراوندي فإنه قال : معنى قوله عليه السلام : " كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم " : إنه لم يزل موجودا ، ولا يزال موجودا ، فهو باق أبدا كما كان موجودا أولا ، وهذا ليس بجيد ، لان اللفظ لا يدل على ذلك ولا فيه تعرض بالبقاء فيما لا يزال . وقال أيضا : قوله عليه السلام : " لا يستوحش " ، كلام مستأنف . ولقائل أن يقول : كيف يكون كلاما مستأنفا ، والهاء " في فقده " ترجع إلى " السكن " المذكور أولا ! . وقال أيضا : يقال ما له في الامر همة ولا همامة ، أي لا يهم به ، والهمامة : التردد ، كالعزم . ولقائل أن يقول : العزم هو إرادة جازمة حصلت بعد التردد ، فبطل قوله : إن الهمامة هي نفس التردد كالعزم . وأيضا فقد بينا مراده عليه السلام بالهمامة ، حكى زرقان ( 1 ) في كتاب " المقالات " وأبو عيسى الوراق ( 2 ) ، والحسن بن موسى ( 3 ) ، وذكره شيخنا أبو القاسم البلخي ( 4 ) في كتابه في " المقالات " أيضا عن الثنوية : أن النور الأعظم اضطربت عزائمه وإرادته في غزو الظلمة والإغارة عليها ، فخرجت من ذاته قطعة وهي الهمامة المضطربة في نفسه فخالطت الظلمة غازية لها ، فاقتطعتها الظلمة عن النور الأعظم ، وحالت بينها وبينه ، وخرجت همامة الظلمة غازية للنور الأعظم ، فاقتطعها النور الأعظم عن الظلمة ، ومزجها بأجزائه ، وامتزجت همامة النور بأجزاء الظلمة أيضا ، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان

--> ( 1 ) هو زرقان المتكلم ، تلميذ إبراهيم بن سيار النظام ، وقد حكى زرقان عن النظام أقوالا في الفرق 50 - 51 ، وذكره المسعودي في التنبيه والاشراف 342 . ( 2 ) هو أبو عيسى محمد بن هارون الوراق ، كان من نظاري المعتزلة ، وله تصانيف على مذهبهم . توفي سنة 247 . لسان الميزان 5 : 412 . ( 3 ) هو أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي ، من متكلمي الإمامية ، وذكره الطوسي في طبقاتهم ، عاش في القرن الثالث . لسان الميزان 2 : 258 ، روضات الجنات 31 ، تنقيح المقال 1 : 312 . ( 4 ) هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي ، شيخ المعتزلة ، وكان على رأس طائفة منهم يقال لهم الكعبية ، توفي سنة 319 . ابن خلكان 1 : 252 .